الخميس، 10 سبتمبر 2009

ليلة من ثلاثين ليلة في رحاب أبو الحجاج الأقصري







محمد الحمامصي من الأقصر: انتبه.. أنت في ساحة أبو الحجاج حيث مسجد ومقام الشيخ الجليل والقطب الرباني يوسف أبو الحجاج الأقصري في مدينة الأقصر، والذي يجله كل مصري ويأتيه الزائرون من كل فج، هذه الساحة في هذه الليالي الرمضانية لم تكن ليلة من ليالي مولده الكبير، بل كانت ليلة لكل فنون الإبداع في مشهد نادر، لا أذكر أنني أراه كثيرا في مصر على مدار سنوات طويلة من عملي بالشأن الثقافي، وربما يكون بالفعل مشهد خاص جدا، فأمام مسجد ومقام الولي الشهير في جنوب مصر أقام د.سمير فرج رئيس المجلس الأعلى لمدينة أقصر بالتعاون مع أقليم جنوب الصعيد الثقافي برئاسة طلعت مهران، ليالي المحروسة الثقافية، التي تنظمها هيئة قصور الثقافة وتمتد لأول مرة إلي جنوب مصر، أقاموا سرادقات باتساع ساحة الولى تخصص كل سرادق منها بلون من ألوان فنون القول كالشعر بنوعيه الفصيح والعامي وفن الواو وفن السيرة الشعبية وفن الإنشاد الديني، فكان أن اجتمعت الأصالة مع الحداثة في نسيج واحد، قصائد النثر جنبا إلي جنب مع شيوخ الإنشاد الديني والمدحين وحكائي السير.
كان الشعراء يلقون قصائدهم فيما تزدحم الساحة والسرادق بأهالي الأقصر الذين قدموا من كل حواريها وقراها، وتبدو في الخلفية مئذنة الولى الصالح تتلألأ بالأنوار ومقامه بالزائرين، وكانت القصائد من التنوع والثراء بحيث أكدت على نضج وفنية التجربة الشعرية لأبناء جنوب مصر وتميزها جماليا وفنيا.
أما عروض الموالد، وعروض شعراء الربابة، وعروض المدح في سيرة آل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم، وعروض ألعاب السرك والأراجيح وملاهي الأطفال فقد خلقت حالة فريدة، فلكل عروض منها جمهورها الذي فضل بعضه افتراش النجيلة والاسترخاء فيما يتابع ما يجري على المسرح من قول وغناء هنا أو هناك.
الجميل في الأمر أن حصة الشعراء من جمهور الساحة كانت متميزة، والأكثر تميزا هو التلقي الإيجابي لما ألقي من قصائد، ربما يرجع ذلك إلي تنوع القصيدة ما بين النثر والوزن والعامية وفن الواو، لكن المشهد كان مفرحا إذ يؤكد على أن العلاقة بين الشعر والمتلقي بدأت في التحرك في الاتجاه الإيجابي وأن تهيئة المناخ المناسب للقاء بينهما له دور مهم جدا.
وقد أدار الأمسية الشاعر محمد جاد المولى، ومن النماذج التي تميزت لغتها الشاعر أحمد المريخي الذي قال في إحدى قصائده المعنونة بـ "رغم ذلك":
دحرجَ أنبوبةَ الغاز..
ومشى الطفلُ الصغيرُ يشمَّر أشياءَهُ
وفى أقربِ نقطةٍ قديمةٍ دلقَ قلبَهُ ؛
لم تُحدَّثْهُ التى (كانت تَشُدُّ الخَصَر كلَّ صباحٍ)*
لكنها بنظرةٍ
لوَّنتِ الرصيفَ بدمائهِ
وبعدما هَجَرَ الطفلُ الصغيُر أشلاءَهُ
صار مبتسماً؛
الجميلةُ التى أخجلتهُ
لاتعبأْ بشفاهِهِ
رغم ذلكَ حَدَّثَهَا قائلاً:
لاتحزنى ياقاسية؛
أنا سامحتُكِ!

أما الشاعر أشرف عويس فقد حملت قصائده ملمحا سرديا متميزا وقال في قصيدته "لا تخجل من فضيحة بيضاء ":
فى السوق
كنت "أدلل" على بضاعتي
من يشترى يا عم؟
من يشترى يا خال؟
لن تحتاج لطاولة
ترهقك إلى آخر الشارع
ولا ولد يحملها عنك
إلى نهاية السلم
سيصعب عليك حالي
فلن تفاصلني
لا امرأة تفرح برجوعي
ولا صغار
يتسابقون إلى فاكهة على صدرى
ومع ذلك
أحتاج لأن أرجع مجبور الخاطر
***
لمرة واحدة
هل جربت أن تعيش عمرا
داخل حقيبة للسفر
تغلقها عليك
ثم تُخرج ذاتك كل صباح
فتنشرها أمام الخلق
وهم لا يعلمون
إلى أى مدى
تكومت روحك طيلة المساء
***
مالى
كلما هممت
أن أحط يدى على أحبتى
استيقظت
وكلما أفلتهم.. ناموا
***
استقبل الآن عريك
ولا تخجل من فضيحة بيضاء
فالناس التى لا تنسى
هى نفسها
الناس التى.. لا تتذكر.

وكذلك الشاعر فرغلي الخبيري الذي ألقى قصيدة ملحمية تميزت بلغتها الوثابة وصورها الرصينة، كما ألقى بعضا من قصائده القصيرة منها قصيدة "وحدي أموت":
وحدي أموت
ووحيدة تغرغر ثم يهزمني السكوت
هل كان يغنيني البكاء عن السكوت
أم كان يغني فيما لا يطاوعني غناء لي بحجم مصيبتي
وحدي أموت
لا صافحت عيني عيون أحبتي
أو ما تبقي بين أطلال المخيم من بيوت.
وحدي
ويهزمني السكوت.

أما الشاعر أحمد فؤاد جويلي فقد مضى في استكمال قصائده حول أبطال حرب الاستنزاف مجموعة 39 بقيادة الشهيد إبراهيم الرفاعي، وقد تميزت قصائده بحسها الملحمي حتى بدا كأن الشاعر يقدم سيرة شعرية ليؤرخ بها لحيوات هؤلاء الشهداء الذين رأى أنهم ضحوا لكي يبقي الوطن.
وألقى الشاعر محمود مغربي مختارات دواوينه "الولد الفوضوي"، "تأملات طائر"، و"العتمة تنسحب رويدا"، وقد تميزت بلغتها الشفيفة المكثفة الدالة وصوروها العفية الطازجة التي تحمل أريج الجنوب ودفئه، يقول في قصيدة أبي:
أبى
ما عادَ يمسكُ غرَّةَ الفجرِ
أبى
فأسُهُ الهائجُ ما عادَ يرقصُ
تحتَ إبطه!
فقط …
يلوكُ دمعةً ..
يدخلُ كونًا غائمًا!
أبى
تحتَ شمسِ الشتاءْ،
ساعةً يتمتم للحفيدِ الصغيرِ:
هناكَ ..
هناكَ فى الحقول البعيدةِ ..
هناكَ ..
تحت جذعِ نخلةٍ
ترقدُ أعوامى الخمسونَ مستيقظةْ ..
آهٍ ..
هل تسمعُ أنَّاتها
يا صغيرى؟
هل شممتَ الآنَ أعوادَ الحطبْ ..؟
للشاى طعمٌ
حين ينضج فوقَها،
يا صغيرى ..
كان خبزُ القمحِ حلوًا
كيفَ لا ..؟
وهو نبتُ سنبلةٍ
رافقتُها يومًا فيومًا
شهرًا فشهرًا
حتى جاء موعدُها /
الحصادْ!
يا صغيرى ..
تُربتى مَجْلوَّةٌ ..
- كانت -
أنثى تُهَيّئُ نفسَها للبوحِ
دومًا
فى الفصولِ الأربعةْ ..
وحدَها كانت ..
تشاطِرُنا الْعطاءْ ..
قمحًا فى صوامعِنا
لبنًا فى بطونِ صغارِنا
ثوبًا طويلاً يسترُ أبدان الصبايا،
عرسًا سماويًا
لا يخاصِمُه الغناءْ!
ساعةْ أخرى ..
يقفزُ نَعشُ جارتِه
إلى عينيِه ..
ينأى ..
ساحبًا محراثَه
خفيضٌ صوتُهُ
يوصِدُ أبوابَه
ويمضِى!
تجاور الأشكال الشعرية فجاء دور قصيدة العامية المصرية والذي تجلى فيها الشعراء مأمون الحجاجي، خالد حلمي الطاهر ومحمد أمين خربوش وأسامة البنا، وأشرف عتريس ومنال الصناديقي، شعبان البوقي وغيرهم، وقد تميزت قصائد هؤلاء الشعراء بالتحامها الجمالي والإنساني بالإنسان والمكان الجنوبيين، وبمفرداتها وصورها البكر الطازجة، كما في قصيدة الشاعر جمال عدوي "سورة الفطرة" ويقول فيها:
أحلى ما فيك يا "قزين"
إنك ما بتزهقش
من شرب الصبر على الريق
وتملي بتسرسب منك
حاجة محبوسة جوانا
وإنك عمرك ما نويت تقرأنا
عاوزين نقرأك
لكن عاجزين
علشان محناش قادرين يا "قزين"
نحفظ من صورتك جوانا
سورة الفطرة.
وكذلك قصيدة"ما انتش مهزوم" للشاعر أسامة البنا الذي تميزت قصائده بلغتها البسيطة وصورها الحيوية بمشهديتها، يقول:
ما انتش مهزوم
والوقت الأخضر مش هارب لبعيد
ولا جو في صدرك أسري
ولا مهرك مشنوق فوق شجرة دوم
ما انتش مهزوم
قافل بابك ومسنكر كل الشبابيك
طارت عصافيرك
ما فضلش سبايا
هربت جواريك
وايديك ايد عسرك وايد حراميه
حراسك فرس وروم
ما انتش مهزوم.
تحلق الشعراء حول بعضهم البعض كان ملمحا آخر لا يقل جمالا عن زخم ساحة أبو الحجاج، فمن السرادق بكراسيه وميكروفونه، انتقل شعراء الأمسية بقصائدهم ورؤاهم وجدلهم إلي مقهي العمال الذي أشتهر بأنه ملتقى أدباء ومثقفي الأقصر وضيوفهم، ودار جدل حول قصيدة النثر وتلقيها خاصة بعد أن شهدت الأمسية تجاوبا ملموسا من الجمهور العريض مع نصوص شعراء قصيدة النثر، في ندوة أدارها الشاعر مأمون الحجاجي، وقد رأى البعض أهمية إعادة صياغة ذائقة التلقي، على أن يقود المبادرة نخبة المثقفين والكتاب، بينما اختلف البعض حول مفهوم النخبة وإن اتفقوا على ضرورة تطوير ذائقة التلقي، وطرحت في السياق ذاته إشكالية تدريس الشعر الجديد في مناهج التعليم المصري الذي يتجاهل ربما عن جهل أو عناد وغطرسة تطور الشعر في مصر.

0 اكـتب تــعليــقـك على الموضوع:

إرسال تعليق

اكتب تعليقك بدون تسجيل