الجمعة، 1 مايو 2009

قصة قصيرة رقصة أم أحمد بقلم الاديب الكبير حسين خليفه


طبلت أم أحمد بقعر كوب زجاجي علي ترابيزة يعتليها إناء زجاجي كبير مملوء بالماء المذاب فيه الحلو والمر. كانت تطبل بارتخاء شديد في أماكن متفرقة.. بدأت بالغناء لترتقي بالايقاع. فكرت في ذلك كما لم تفكر فيه من قبل وهي تطيل. تغني. تتمايل في حركة شعورية لا تستطيع السيطرة عليها أو كيفية الوصول إليها والتعامل معها سمعت من يقول: "ما تزرزروا يا خلق" ظنت أن التحذير موجه إليها اعترفت في قرارة نفسها "أنه لا الطبل مع الكلام ماشي ولا الكلام مع الطبل واضح ليه معني". رفعت برموشها أجنحة الطيور المختبئة من لهب الشمس- بين أوراق أفرع شجر مرسي النيل- عششت فيها تحت الريش الناعم. لامت نفسها. من هي لتخرج النسيم من بطن الحر؟ طار عقلها مع طائر حرك جناحيه في الهواء.. عادت للكوب الزجاجي.. عبثت به بين أصابعها. "مش عوايدك يا أم أحمد" هكذا خاطبت نفسها. من شدة الصداع الذي امتلك رأسها. أخذت تصدم رأسها بالمنضدة فتعكر الماء المذاب فيه الحلو والمر.. كأن العكار يود الفصل بين الطعمين "الحلو .. والمر". اتجهت بنظراتها إلي العم جاد صانع الشاي في الخص المحازي لشاطيء النيل. نادت "يا جاد" يرفع جاد وجهه عن فوهة براد الشاي الموضوع فوق النار. "شاي" "وتقله شويه" حاول الاقتراب منها.. سألها: "فين أحمد" تنهدت "شم عطر الخوجات وماشمش ريحة عرقهم" رد العم بغيرة الرجال "ريحة عطورهم مغطية علي ريحة عرقهم" "دخلت المرسي سيارة سياحية.. هبط منها عدد قليل من السائحين الذين يقضون الصيف في حر الأقصر. بنصف راتبهم الشهري في بلادهم. فيستفيدون من التخفيضات الهائلة في تذاكر الطيران. وحجز الفنادق. وتخفيضات الدعم في الشارع المصري. ويلحقون برفاهية وبثقافة الأغنياء الذين يحضرون إلي الأقصر في الشتاء". تذكرت أم أحمد بحثها عن صغيرها أحمد أمام بوابات المعبد. رفعت وجهها للسماء فشعرت بأن عيون السائحين تحول بينها وبين عيون السماء. ضربت كفاً بكف. وهي تقول: "عليه العوض ومنه العوض" جاءها صوت العم جاد وهو يحرك السكر في كوب الشاي "السياحة كويسة" ردت باقتضاب "سياحة صيف يا جاد" ذهب إليها حاملاً كوب الشاي بين يديه وجدها تتلف علي سائحة تتخذ مكاناً لها تحت شجرة من أشجار المرسي تبرز من عربها مفاتن بلاد الخواجات تحمل بين يديها جيتاراً. صاح العم جاد في أذني أم أحمد: "الشاي يا ست الكل" لم تعره اهتماماً فقد كانت عيناها تتابع الرجال وهم يتحركون باتجاة الأجنبية ويقفون علي بداية عزفها بأرواح تتعانق مع نعومة الظل الذي صار كأنه من نعومة شعرها والمقارب للونه. ويطفئ من حولهم الصهد "صهد الشمس وجمر الغضب الذي اعتري نفوسهم من انتظار وأبور البحر" صاح العم جاد مرة ثانية "الشاي يا ست الكل" سألت العم جاد وهي تأخذ كوب الشاي من بين يديه "إحنا في غربنا ولا غرب الفرنجة" تشق العم جاد بكلام مثقفي قرية القرنة: "الدنيا دلوقت قرية واحدة" تساءلت مندهشة "مين وحدها" رد العم جاد "الطائرات. التليفزيونات. أمريكا" غنت الأفونجية ورقصت علي عزف جيتارها.. عزفت معها كلاكسات سيارات الأجرة والسيارات السياحية كأنها ترحب بفكرة ان العالم قرية واحدة. تبخر العم جاد من قدام أم أحمد مثلما يتبخر الماء في الغلاي الموضوع فوق النار. نهضت أم أحمد.. اتجهت للافرنجية اصطدمت بالأجساد.. حاولت دخول الدائرة بذراعيها ابتلعت الدائرة نصف طولها وحجمها.. شقت برأسها طريقاً "حاجتها للغناء جعلت جسدها كفتيل يندلي من روحها التي صارت أصغر من أصغر خرزة في عقدها المتنوع الخرز". وقفت قبالة الأجنبية ابتسمت الأجنبية.. شعرت أم أحمد أن الرجال يحيطون بها وحدها.. صفقت أمام وجهها. تمايلت.. غنت: "ياديك يابوشواشية تعالا سلم عليا أمك حلوه وعفيه" كفت الأجنبية عن الغناء قطعت اللحن. تمايلت مثلما تمايلت أم أحمد. ثم طوعت بأناملها الجيتار ليصاحب الغناء.. توهمت أم أحمد انها أخذت الرجال بعيدا من الوقوع بين عيني الأفرنجية التي تشبه عيون القطط.. زحزحها الرجال الذين حجبت أم أحمد عن عيونهم رؤية الأجنبية.. تزحزحت علي حالتها.. أخذ سحرها عقل السائحة مثلما أخذه سحر الفراعنة. وهي تقف أمام معبد الملكة حتشبسوت. وفقدت رشاقتها وهي تطوف حول مقابر وادي الملوك ووادي الملكات. رجال آخرون زحزحوا أم أحمد رأتها الأجنبية نخلة عالية ترقص في مهب الريح. دارت الدائرة بأم أحمد تزحزحها الأيادي بعدها ألقت بها الأيادي خارج الدائرة. ارتطم صوت وابور البحر بالمرسي.. تبخرت الدائرة.. تعلقت أم أحمد بنظراتها الممتدة من عينيها. عبرت نظراتها النيل واستراحت علي مئذنة "سيدي ابي الحجاج الأقصري" وهي ترتفع خلف صرحي معبد الأقصر في البر الشرقي المقابل. تحاملت علي صورة المئذنة في نني عينيها. وقفت.. سمعت غناء أحمد يصاحبه طبلة علي الترابيزة بقعر الكوب الزجاجي: "ميه ب لمون يا عطشان. ميه ب لمون يا حران".. لحظتها ابصرت الشاطيء يمتص رفس الموج ويعيده علي وجه المياه كإيقاع راقص ورقصة.

0 اكـتب تــعليــقـك على الموضوع:

إرسال تعليق

اكتب تعليقك بدون تسجيل